recent
أخر الاخبار

من يوميات العيادة (15) مشوار الظلام ، ورحلة العذاب والألم

 

من يوميات العيادة (15)  مشوار الظلام ، ورحلة العذاب والألم

 

من يوميات العيادة (15)  مشوار الظلام ، ورحلة العذاب والألم

لاتزال تصفع مسامعي تلك الصفعات الرهيبة التي ظل ذلك الطفل المسكين يصفع بها وجهه دون أدنى إحساس بالألم ، ولاتزال دموعي المحبوسة وخذا كالشوك الحاد يمزق ذاكرتي البصرية بتلك الصورة الدرامية المؤلمة للطفل الكفيف الذي فقد بصره إلى الأبد بسبب إهمال طبي جسيم ! وذلك بسبب دخوله إلى الحَضَّانّْة وهو حديث الولادة ومكوثه فيها تحت العلاج بالأكسجين لحين إكتمال نضج وظائف الرئتين .

 يمكث الطفل المسكين بعيدا عن أحضان أمه في رحم زجاجي بارد برودة الثلج كئيب سجينا لأنابيب المحاليل ، وخراطيم الأكسجين ، وربما أنبوب التنفس الصناعي الذي لايعلم بألمه ، ولاحرقته إلا من إكتوى بناره الرهيبة ، ووخز الإبر لسحب عينات الدم المتكرر يوميا وكأنه يقضي عقوبة السجن المشدد لمدة قد تتجاوز الشهر بعيدا عن لحظة مواساة ، وحب ، وإحتضان . المؤلم للغاية في هذه الرواية الدامية أنه بعد قرار الإفراج النهائي ينسى -بصورة مريبة -حارس السجن ، والقائم على رعايته " الطبيب الإستشاري في شئون العناية المركزة لحديثي الولادة "  خطورة التوصية -في ورقة حيثيات الإفراج عنه -  بضرورة العرض الفوري على زميله إستشاري عيون الأطفال ، وبصفة خاصة في مجال رعاية الشبكية " جهاز الإستقبال فائق الحساسية لرسائل الضوء ، والنور والظلام ، ورؤية وجوه الأحباء " الحبيبية الغالية ماما " من بعد طول الفراق الدامي !

وهكذا تمضي فصول الرواية الحزينة حتى تكتشف الأم أن نظرات طفلها زائغة تتحرك بصورة عشوائية ، ولا تثبت ، ولا يتم التواصل البصري معها ، وتغيب الإبتسامة المعهودة عند الشهر الرابع حينما تتلاقى نظرات المحبين العاشقين " بين الأم ، ووليدها الرضيع ، ومن هنا تبدأ فصول المآساة الموجعة المؤلمة حينما تنتهي الرحلة عند طبيب العيون الذي يصدر حكمه الأليم القاطع بلا أي فرصة للإستئناف ، أو النقض بأن الشبكية قد أصيبت بعطب لاشفاء منه ! حيث أن تليف الشبكية نتيجة التعرض المكثف للأكسجين بالحَضَّانّْةً قد وصل إلى المرحلة الرابعة ، أو الخامسة حيث لا رجعة ، ولا علاج ، ولا تدخل جراحي بتاتا قطعيا !

وبعد كم البكاء ، والحسرة ، والندم على ماضاع ، وما راح يبدأ الفصل الثاني من رواية " طريق العذاب ، ومشوار الألم "  حيث أن فقدان حاسة البصر ، وغياب الوعي بأهمية الإكتشاف ، والتدخل بالتأهيل المبكر يؤدي إلى ظهور علامات ، وسلوكيات غريبة على الوالدين المكلومين حيث يبدأ الطفل في عامه الثاني سلوكيات الرفرفة ، ودوران الرأس في إتجاه أفقي مرات عديدة متكررة دون أن يمل ، أو يشعر بالدوار لأنه يريد تحفيز جهازه الدهليزي - بعد غياب المنعكس البصري الدهليزي نظرا لفقد الذراع البصري لذلك المنعكس الهام جدا لإحساس الرأس بوضعها في الفراغ ، وإتزانها مع الرقبة على الجزع . كما أن الإصابة الدماغية تؤدي إلى الشد العضلي المستمر إلذي يؤدي إلى قصر وتر أخيليس فيبدأ في المشي على أطراف أصابعه .

 ونظرا لأنه لايملك رفاهية النظر إلى أصابعه يبدأ في ممارسة التصفيق الحاد المستمر الذي ينقلب في النهاية إلى صفع وجهه دون إحساس بالألم لإستثارة الحس العميق ، ورويدا رويدا دون أن يدري الوالدين يبدأ الفصل الثالث بتطور الأمر إلى الإصابة بالتوحد الحسي أي الناجم عن فقدان حاسة البصر ، والقدرة على التواصل بصريا مع دائرة الأهل المحيطة ، ومع البيئة فهو لم يعد يرى بصيص الضوء ، وشعاع التفرقة بين النور والظلام ، وبين الليل والنهار فيختل لديه إيقاع النوم ، ولاينام أبدا إلا مع قمة الإرهاق ، وذروة الإنهاك دون أي إرتباط بدورة الليل والنهار . 

وتطول الساعات بطيئة كالدهر على الوالدين ، وخاصة الأم المتعبة المسكينة التي تلاحقه كظله تحميه من أن يؤذي نفسه دون أدنى إحساس ، أو إستبصار بالخطر المحدق به ! فهو لاينام حين ينام أفراد البيت ويظل يتحرك عشوائيا محدثا جلبة ، وضجيجاً صوتيا غير مفهوم ، وصياح ، وطرق شديد على الأرض والأبواب ، وصراخ ينقلب فيما بعد إلى نوبات البكاء بصوت عال إلى درجة قد تصيب الجيران الملاصقين بالفزع ثم الضجر ، والشكوى من الإزعاج الدائم المستمر ، وفي أحيان أخرى  ربما يعقب ذلك نوبات الضحك الهيستيري . 

إذا فقد إكتملت حيثيات الإتهام بالتوحد الكامل ووجوب تطبيق العقوبة اللازمة بوصف مضادات الذهان …- مضادات الشيزوفرينيا والجنون - التي تخدع الوالدين براحة مؤقتة كاذبة تليها إنتكاسات تلو إنتكاسات لعدم توافر أي فرصة للتدريب ، والتأهيل المناسب لهذه الحالات التي تقتضي توافر متخصصين على أعلى درجة من الخبرة ، والكفاءة تلك العملة النادرة في أيامنا البغيضة هذه !.

 هكذا تنقلب الحياة جحيما فيفزع الأهل مرة الأخري يطرقون أبواب الطب القاسية قلوب أصحابها الذين لايعرفون علما غير وصف تلك العقاقير سيئة السمعة ، والآثار المدمرة مدى الحياة فتنتهي حياة هؤلاء الضحايا المساكين بما يشبه الجنون الحقيقي ، ولايبقى سوى الباب الأخير في تلك الرحلة المشئومة للوصول إلى محطة مصحات الأمراض العقلية في نهاية درامية سوداوية، وربما لايملك الكثيرون القدرة المالية لشراء تذكرة الوصول إلى الختام الأليم ، ولا حول ، ولاقوة إلا بالله، وإليه وحده المشتكي .

google-playkhamsatmostaqltradent